نورالدين علي بن أحمد السمهودي

197

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وفي الكبير للطبراني ورجاله ثقات عن الشموس بنت النعمان قالت : نظرت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء ، فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره الحجر ، وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرته ، فيأتي الرجل من أصحابه ويقول : بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفك ، فيقول : لا ، خذ مثله ، حتى أسسه ، ويقول : إن جبريل عليه السلام هو يؤم الكعبة ، قالت : فكان يقال : إنه أقوم مسجد قبلة . قلت : قد صح أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يستقبل بيت المقدس حتى نسخ ذلك ، وجاءت القبلة وهم في صلاة الصبح فأخبرهم ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة ؛ فيحتمل : أن جبريل عليه السلام كان يؤم به البيت ليستدل به على جهة بيت المقدس لتقابل الجهتين ، ولعلمه بما يؤول إليه الأمر من استقبال الكعبة ، أو أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مخيّرا في ابتداء الهجرة في التوجه إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة كما قاله الربيع فأمّ به جبريل البيت لذلك ، واختياره الصلاة لبيت المقدس أولا لاستمالة اليهود ، أو أن استقبال الكعبة كان مشروعا في ذلك الوقت ثم نسخ ببيت المقدس ثم نسخ بالكعبة ، لما قاله ابن العربي وغيره من أن القبلة نسخت مرتين ، أو أن ذلك تأسيس آخر غير التأسيس الأول ، ويدل لهذا الأخير ما قدمناه من راوية ابن شبة . وقوله في حديث الشموس المتقدم « حتى يهصره الحجر » أي : يميله . وأورده المجد من رواية الخطابي بلفظ آخر ، فقال : وروى الخطابي عن الشموس بنت النعمان قالت : كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حين بنى مسجد قباء يأتي بالحجر قد صهره « 1 » إلى بطنه فيضعه ، فيأتي الرجل يريد أن يقله فلا يستطيع حتى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره ، ثم قال : صهره وأصهره إذا ألصقه بالشيء ، ومنه اشتقاق الصهر في القرابة . وروى ابن شبة أيضا أن عبد الله بن رواحة كان يقول وهم يبنون في مسجد قباء : أفلح من يعالج المساجدا فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « المساجدا » فقال عبد الله : ويقرأ القرآن قائما وقاعدا فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « وقاعدا » فقال عبد الله : ولا يبيت الليل عنه راقدا فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « راقدا » ، والله أعلم .

--> ( 1 ) صهر الشيء إليه : قرّبه وأدناه .